عبد الملك الجويني

192

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولو وقف المصلّي في ماءٍ صافٍ يبدو منه لون بشرته ، فليس بمستورٍ . وإن كان الماء كدِراً ، فهو مستور ، ولو طلى على عورته طيناً ، فهو ستر باتفاق أصحابنا ، وهو كافٍ مع القدرة على الستر بالثياب . ولو لم يكن معه ثوب ، وكان متمكناً من التسبب إلى تحصيل طين ينطلي به ، فهل يجب عليه ذلك ؟ فعلى وجهين ، ذكرهما العراقيون : أحدهما - يجب ؛ فإنه ستر ، والثاني - لا يجب ؛ لأنه لو وجب ، لدام الوجوب في الصلاة وغيرها ، وتكليف ذلك عظيمٌ منتهٍ إلى مشقة ظاهرة . 897 - ثم الستر يراعى من الجوانب ومن فوق ، ولا يراعى الستر من أسفل الذيل والإزار . ونص أئمتنا أن من كان يصلي في قميص واحد ، على طرف السطح ، فإدراك سوأته هين على من هو تحت السطح ، وصلاته صحيحة . وهذا عندي فيه للفكر مجال ؛ فإن من وقف هكذا فوق مكانٍ مطروق ، وكان الريح تعبث بثوبه ، فلستُ أستجيز إطلاق القول بأنه يحلّ له ذلك ، وهو مُعرَّض للنظر . فإن قال قائل : العرفُ هو المرعي في الستر ، والناس يستترون من فوق ومن الجوانب ، قيل : هذا كلام عري عن التحصيل ؛ فإن العرف لا يطرد بين العقلاء هزلاً في شيء ، وأهل العرف إنما لم يراعوا الستر من أسفل من جهة أن التطلع من تحت القميص والإزار غيرُ ممكن إلا بمعاناة وتكلّف ، فإذا فرض الموقف على شخص ( 1 ) ، والأعين تبتدر إدراك السوأة ، فهذا لا يُعد في العرف ستراً أصلاً ، إلا أن يكون الذيلُ ملتفاً بالساق . فرع : 898 - إذا كان في الثوب الساتر خرق ، فوضع يده عليه وكان يصلي ، فقد ظهر الاختلاف في ذلك . والمذهب عندي تجويز الصلاة ، فإن الرجل لو لم يكن في الصّلاة ، وفعل

--> ( 1 ) شخص : مكان مرتفع ( المعجم ) .